عبدالفتاح دياب: مختارات شعرية

_1_
ياصديقتي اسألي الأقمار
التي تتدحرج تحت قدميكِ
كم تمنيتك !
اسألي جريدة الصباح
كم مرة ربتُّ على قلبي
وأنا أبحومنث عن خبر زفافك
باختصار أنا ابن الأربعين
ثروتي أربعون عاماً مضت وقلبٌ مُهتريء
وقصيدة شعر خبأتها في درج مكتبي
بعيدًا عن متناول المراهقين
نبأتني العرّافة يوماً
بأن الحب سيأكل من رأسي
فأعددتُ لأصدقائي مُتكئاً
وانتظرت الطائر من بعيد
نثرت أوراق قصيدتي أرضاً
ومن نزيفي صنعت لهم كؤوساً من خمر
دلفتْ الذكرى مُتأبطة ذراع الوجع
همستْ له " لم يدعوني لكني اشتهيت جلده"
ضحكتْ فسقطت الكأس
قال لها " لاتبالي فالوجع كثير"
الآن أجلس منتظراً حليق الرأس
مشرئب العنق ومن خلفي قرع الكؤوس
وعلى مقربة مني حفل زفافٍ
أقيم على شرف احتضاري!

_2_
هؤلاء يعتذرون :
الخبّازُ الذي كان يؤخر عليكِ الخُبزَ
رغم جاهزيته
سائقُ التاكسي عن تلكّؤه في إعطائك بقيّة النقود
موظفو الشهرِ العقاريّ في تأخر الأوراق
الطبيبُ الذي طلب إعادة التحاليل أكثر من مرّة
النادلُ الذي يؤخر عنكِ قهوتَك الأثيرة
ويتأملكِ من وراء جدار
قاطعُ تذاكر المترو/الخيّاط/بائعُ الفاكهة
كل من تعاملتي معهم
لمّا سألتهم عن ذلك قالوا لي :
كنّا نؤخرها لنكتشف ممّا خُلِقتْ !

_3_
حبيبتي امرأةٌ عاديةٌ جدًا
وجهها عادي ذو أنفٍ كبير
عيناها لا تشع سحرًا
وفمها ليس بخطير
حبيبتي ليست رابع المستحيل
أو فينوس أو أفروديت
حبيبتي تسير كباقي النساء
          بل أقل
فساقها اليمنى تعرج قليلًا
هي لا تُسقط مطرًا
أو تُنطق حجرًا
أو تغوي قمرًا
تأكل بيمناها وأحيانًا تخونها يدها
كطفلةٍ
لها ظلٌ كباقي البشر
تخشى أن يمر عليها "كانون"
دون حبيب
كغيرها من النساء
لكنها حين تبتسم
تسقط الشمس على كتفها الأيسر
وثماني كواكب على كتفها الأيمن
وإن سألت عن الكوكب التاسع أين ذهب
ستجده في آخر صفحات الجريدة
يحيطة بروازٌ وسط حداد !
حبيتي ككل النساء
لكنها أبدًا ليست ككل النساء !

_4_
يتّهِمني أصدقائي بأنّي أفعلَ أمورًا غريبةً
مُذ عرفتكِ
مثلاً
وجدوني وأنا أعتِّقُّ صوتّكِ في قارورةٍ
ليعمَّ الجمالُ والدلالُ على العالم
أرفض مصافحتهم بعد مُصافحتِك
رأوني وأنا جالسٌ على الأرضِ بين السيارات
يحاولون انتزاعي وسطَ السِباب
لكن أقول: ستمرُّ الليلةَ من هنا
وحين يئِسوا دفعوني لزيارة الطبيبَ
وجدَني أمسِك سمّاعته فأضعها على قلبِه وأقول:
"أنت طبيبٌ لأنك لم ترَها مِثلي" !

_5_
لوّح في وجه مديره الصلْف
لوّح للباص
لوّح للاعبه المفضل في كرة القدم
لوّح في وجه زوجته الغاضبة
لوّح لأبنائه للمرة الأخيرة
قبيل أنْ تبتلعه الحرب تمامًا
رغب أن يلوّح فلم يجد يديه
لم ييأس
فلوّح لأهله في مُخيلته بابتسامة !


_6_

نجلسُ ثلاثتنا في جوفِ الليل

نضعُ المرأةَ أمامنا على الطاولة

وبقداحة أحدنا نُشغل تبغ الحديث

ينفثُ الأولُ دخانَ غرورِه قائلًا :

" المرأةُ عاهرة "

أقطَّب أنا جبيني قائلًا :

" المرأةُ قِبْلة "

يرد ثالثنا قائلًا :"بل قُبْلة "

بينما في الطابق العلويّ 

تضعُ امرأةٌ ثلاثةَ رجالٍ على الطاولة

تضعُ أحمرَ شفاهِها وتقول :

" الرجلُ خدعةٌ اخترعتها المرأةُ

لتتحدى به بردَ "كانون" ! "

_7_

اقبليني فرو ثعلبٍ على كتفيكِ المنحوتين ببراعة

خاتم فضة بين أصابعك المرمرية

طوقًا في شعرك المُرسل كشلالٍ غاضب

قُفّازًا في يدكِ مذهلة التكوين

نقطة كحلٍ أسفلَ شفتيكِ اللتان تشعلان ثورة

عقد يحوّط رقبة تثير بين الخلق فتنة

اقبليني غريبًا مغامرًا مسافرًا مقيمًا

اقبليني مقامرًا كلما راهنت عليكِ ربحت !


_8_

أنا ولا شئ

النبي الذي فقد رسالته

وصار التيه يُوحَي إليه

بائعُ الوردِ الذي فقد حاسةَ الشم

 أنا ولا شئ

ذاك الكرسي الذي يريح المارة ولا يستريح

غيمةٌ مُتّخمة بالمطر وتموت عطشَى

جريدةٌ تُثقّف القرّاء وهي جاهلة 

أنا ولا شئ

عاشقٌ يَنْظُم الحبَ والشعرَ لكن لا يُحِب

شجرةٌ وارفةٌ تُظلّل المارّة ولا تُظَلّل

دِثارٌ يُدفئ العراة ويموت هو من البرد

جرو يُعلّم الناسَ الوفاءَ ويركُله صاحبه

أنا ولا شئ

آخر سطرٍ سيُكتب لكن لا أحد سيقرأه

_9_


أحبّ ممارسة لعبةَ الحروفِ المتقاطعةِ معك

فمثلًا تقومين في الصباح

تطوين ملاءتك

فأعدّل طرفها

وأقبّل الوسائد

تأخذين دشًا ساخنًا

فأحكم ربطة "بَشْكيرك" جيدًا

حتى لا ينزلق فتحدث كارثة

وأقبّل كتفين

يحطّ عليهما الطير

ليُسبّح باسم الذي خلق

تأكلين "الجُبنَ"

فآكل آخر قطعةٍ

بالمناسبة أنا لا أحبّ الجُبن

لكن لا أستطع أن أرفض شيئًا

نال شرف مسِ شفتيكِ

تشربين قهوتكِ الأثيرة

فأشرب آخر رِشْفة

تقرئين روايتك

فأقرأ آخر ورقة

شيءٌ واحدٌ لم أستطع تتُبعكِ فيه

"خطواتك"

حين أطاحت بكِ عربة مجنونة

من وقتها وأنا أبحث عن الموت

لأقبّله !


_10_

أتعرفين ما السحرُ يا حبيبتي ؟

أن أوصد كل الأبواب المؤدية لكِ

وخلسةً تتسللين من نافذةٍ 

نسيت إغلاقها أو تناسيتها

أراكِ تدخلين تخلعين نعليكِ تتباطئين

وأنا كضعيف البصرِ لا أراكِ أو ربما 

أتجاهل رؤيتك

تقتربين منّي

أقترب منتحلًا دور الأعمى

وكدور المُرشدة تُمسكين يدي كفراشةٍ

وتتراقصين بي 

أرأيتِ أعمي يرقص "الرومبا" من قبل

أعاتبكِ هامسًا : تأخرتِ كثيرًا

تجيبين: طويلةٌ هي أحبالُ قلبك 

محتالٌ أنا أغلقُ نوافذَ قلبي

دون إحكام !


_11_

سأعترف بأكاذيبي إليكِ الليلة  :


" الكَذِبَةُ الأولى " :


 أنا ساعي البريد 

الذي يَطْرق بابَك ليسلّمك

جوابًا بإمضاء غريب

حقيقة أنا كاتبُه 

والأكثر حقًا أنّي لستُ ساعيًا للبريد

بل ساعيًا إليكِ 


" الكَذِبَةُ الثانية " : 


أنا عازفُ الكمانِ الذي يرقدُ 

تحتَ شُرْفَةِ حُجْرتِك كلَ مساء

لستُ عازفًا 

ولكن هي موسيقى

صادحة من راديو أخبّئه بمعطفي

أنا لا اعزف لحنًا بل أعزِفُك


" الكَذِبَةُ الثالثة " :


سائقُ الأجْرَة الذي يَقلكِ كلَ أسبوعٍ

إلى عملك في المشفى هو أنا

أسلّط كل مرايا العَرَبةِ نحوك لأرى وجهًا

يُعلّم الناسَ السِحرَ  !


" الكَذِبَةُ الرابعة " :


ذلك السَمِج الذي يدَُق بابَك ويهرب ... أنا

أختبئ خلف كُوّةٍ في الجدار 

أتأملك دون أنْ تريني 

وكالأطفال أثِبُ فرِحًا بخدعتي

لست خادعًا غير أنّ الخدعةَ

في الحبِ فضيلةٌ ! 


" الكَذِبَةُ الخامسة " :


ذلك المسكين المُلثّم الذي يُصادِفُك

 ويطلبُ منكِ معروفًا

وبعدها يضعُ ما أعطيتيه له

في صندوقِ أقربَ مسجدٍ

 داعيًا الله بلقاءٍ قريب ، هو أنا ....


" الكَذِبَةُ السادسة " :


موظفُ الشهرِ العقاريّ 

الطالبُ منكِ كل مرةٍ أوراقًا جديدة

ولا يُنْهي طلبَك رُغم اكتمالِ أوراقِك هو أنا


" الكَذِبَةُ السابعة " :


أنا صديقُك المُقرّب الذي يُحادِثُك عبر "الفيس بوك"

منذ خمس سنواتٍ باسمٍ مُستعار


           وأخيرًا 

لا أؤمن بحبٍ واحدٍ

 ثمة نساء تستَحِقْنَ نصفَ حبٍ

ونساء يستَحِقْنَ سبعةَ وجوهٍ للحب 

 

لا تُصدّقي ما أعلنته لكِ للتو

فربّما يكون ما أعلنته هو كذبتي الثامنة !

لا تُصدّقي أو تُكذّبي : وهل يُصدّق أو يُكذّب في الحبِ

عــــــــــــــــــــــــــــــــــــاشق ٌ !


_12_

««««««««««««

لنكن مُراهقين

أخطف منكِ قُبلةً في حوش المدرسة

تصفعيني على وجهي

 وفي المساء تطلبين مني قُبلةً جديدة !

لنكن طفلةً وأبيها الحنون

تروين لي وأنتِ مُنزعجة

عن زميلاتك المُشاغبات اللاتي يُضايقنكِ

وأنا كأبٍ أعانقكِ

فتتركين حضني وتُكملين شكواكِ بحماسةٍ

لنكن سيدةً جميلة وحبيبها الوفيّ

تشكين لي وأنتِ في المشفى

معاملة مديرك الصَلْف

فأمُسّد شَعْرَكِ قائلًا: يُواري بذلك حبّه لكِ

لنكن صديقين حميمين

نعدو كطفلين وحينما نتعب نقف

ثم نتبادل النظرات ضحكين

لنكن جوادين يجُرّان عربةٍ متهالكة

يضربهما الحوذي على مؤخرتهما

في أقرب فرصةٍ نتسلل هاربين

لنختار مرة طريقًا نتمختر فيه بحريّة مُهمهمين

لنكن كروانين تقول أنتِ "المُلك" وأقول أنا "لك"

_13_

يارفيقَ الدربِ والحربِ أشتاقُك 

أشكو لك حفيدتي

تتأخر عليّ

لم تعرف أنّ غراباً ظل يرمقني

من النافذة هذا الصباح

بعينٍ وقحة ثم حطّ على رأسي

وقبل أن ينهشها 

طار فزعاً من فرقعات الصِبية بجدار البيت

تترك القهوةَ على الموقِد وتذهب

لترتع مع بنات الحي

تُفور القهوة 

معذورةٌ فهي طفلة

غدًا ستحشو البنادق بالبارود

تتذكر أنت حينما كنّا نشربها سويّاً

في المقهى على ناصية شارعنا القديم

تخيّل صارت الآن مَرتعاً للكلاب الضالة

وسارقي الجنس !

أشكو لك من حبيبة العمر

أعجبتها "قُصّة" ذاك الشاب

الذي كان يُغازلها أكثر من نياشيني

الغريب ياصديقي أننا ربحنا الحرب

فما بالك بمن خسرها ؟!

أكيدٌ أنّ عجوزاً يجلس على الجهة المقابلة

مثلي دون حِراك 

تلوك الغربان من رأسه

لكن دون حفيدة تدافع عنه !


_14_

من يأخذُ نصفَ عمري

ويُعيدُني إلى جاهليّتي الأولى؟!

إلى أسئلتي الساذجة 

كانت نصفُ إجابةٍ تُسمنُ

وتُغني من فضولٍ !

الآن صارت الأسئلة غرباناً تنعقْ

والإجابات دربٌ من عبثْ

من يأخذ نصفَ عمري

ويُعيد لي قلباً لم يمسسه الضُر

أبوح بمشاعري في الصباح

دون أن أجلد نفسي مائة جلدةٍ في الليل

من يأخذ نصف عمري

ويُعيدني إلى أول لهفةٍ ؟!

لأول دهشةٍ

أول مرة دقّ فيها القلب

أول هجرة من البيت إلى المدرسة

وخلفي أمي تمسح دمعةً 

من يأخذ عمري بأكمله 

ويعطيني دقيقةً من الطفلِ

 الذي كبُر فجأة ؟

عبدالفتاح دياب/ مصر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة